المقداد السيوري

349

كنز العرفان في فقه القرآن

عرب كالأعجام جمع عجم وهم الَّذين يسكنون البوادي يقال رجل عربيّ إذا كان من العرب وإن سكن البلاد وأعرابيّ إذا سكن في البادية والظمأ شدّة العطش والنصب التعب والمخمصة الجوع والموطئ في قوله : « ولا يَطَؤُنَ مَوْطِئاً » إمّا مصدر أو مكان الوطي والمراد الوطي بالقدم والحافر وقيل الإيقاع والإبادة كقوله عليه السّلام « آخر وطأه وطئها اللَّه » ( 1 ) وفيه نظر لأنّه مجاز وما قلناه حقيقة ولا ضرورة للنقل عنه ولا قرينة والنيل مصدر ومعناه كلَّما يسوؤهم ويضرّهم من قول أو فعل والنفقة الصغيرة هي القليلة فإنّ القليل صغير أيضا فإنّ الصغير يقال بالنسبة إلى الحجم والقليل بالنسبة إلى الثقل والوزن وبينهما تلازم ولذلك يستعمل أحدهما مكان الآخر وكذا الكلام في الكبير والكثير والوادي في الأصل كلّ منفرج بين الجبال والآكام يكون مجمعا للسيل وهو اسم فاعل من ودى إذا سال وهو صفة للماء فيسمّى المكان به تسمية المحلّ باسم الحالّ وقد يستعمل الوادي في مطلق المكان ويمكن أن يكون هو المراد هنا . إذا عرفت هذا ففي الآية تحريم التخلَّف عن الجهاد وعدم الخروج مع رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله لقوله « ما كان » أي ما كان لهم في حكم اللَّه وشرعه أن يتخلَّفوا وكذلك ما كان لهم أن يرغبوا في حفظ أنفسهم عن متاعب السفر وما لاقوه من العسرة عن نفس رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله أي ليست أنفسهم بأعزّ من نفسه ثمّ إنّ ذلك التحريم له فائدتان كلَّيّة وجزئيّة أمّا الكليّة فلم يصرّح بها في الآية وهي إهانة الكفّار وإذلالهم وكسر شوكتهم فيحصل بذلك إعزاز الدين وأهله وأيضا لو لم ينفروا إليهم ولا يطأوا أرضهم لجاز أنّ المشركين يطأون أرض المسلمين ويحصل الفساد العظيم وأمّا الجزئيّة فإنّ المجاهدين يكتب لهم ثواب الجهاد بمجرّد النيّة وإن لم يحصل قتال وثواب ما يحصل لهم من عطش أو تعب أو جوع وغير ذلك فإنّ ذلك كلَّه إحسان : « إِنَّ الله لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ » وهنا فوائد : 1 - سبب نزول الآيت‍ [ ين ] أنّه لمّا تخلَّف جماعة عن النبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله في غزاة تبوك بغير

--> ( 1 ) النهاية لابن الأثير ج 4 ص 218 .